قصـــة وطـــن ..

هل سمعتم عن قصة جارتنا وردة؟ وردة كانوا يسمونها جورية. كان جمالها فتاكا و الناظر اليها يحسدها أو تخلب لبه. كانت لها عينان خضراوان كنجمتين بلون ورق شجر الزيتون أما شفتاها فبلون الدم الاحمر القاني أما الشعر فيا ويل شباب المدينة من الشعر ..كان تاجا أسود حالكا..و لكن فوق هذا وذاك كانت لها مزايا أخرى…وردة الجورية كانت لديها ميزة الرزق فكانت كلما لمست شيئا تحول إلى ذهب…كانت جورية تتقلب في النعيم…أثوابها من حرير مطرز بماء الذهب…آآآآآآآآه كم كانت جميلة و آآآآآآآآآآه كم كان جمالها وبالا عليها.
مذ كانت طفلة تعاركَ في حبها الشبان….أحبوها وطمعوا بها في ذات الوقت. لقد خطبوا ودها و أغروها بالمالِ و الجاهِ و الذهبِ و لكن هيهات…هيهات أن ترضى جورية بما هو دونها و ظلت حسرة معلقة على شفاه الكهول و الشباب على حدٍ سواء بينما كانت هي تتهادى حافية القدمين بشعر أسود غجري ملئ بالورود العطرة. إلى أن جاءها يوم كانت فيه نائمة بوداعة تدغدغ رموشها النسمات …في هذا اليوم الذي لن تنساه انقض عليها أقبح شاب في المدينة…دميم المنظر و ذميم القلب…خطفها على حصانه الأجرب و ظل يطير بها إلى أن وصلا إلى كهف مظلم بارد لم يسمع به أحد. هناك رأت رجل دين لقبه الحرباء و شكله كالحرباء..نخز اصبعها بدبوس و أجبرها على أن تبصم بالدم على عقد الزواج و سلمها لزوجها بابتسامة صفراء و صارت تخلف له الولد تلو الولد…كان مغتصبها يتباهى بها و يخرج معها لدقائق ثم يعود بها إلى كهفه حيث ربت له الأولاد الخائفين…بعض أولادهما كان جميل الملامح ضعيف القلب…بعضهم كان قبيح الملامح…قبيح الطباع وكلما اشتكت لأولادها صعوبة الحال قالوا لها “اصبري…المرأة الأصيلة لا تترك بيت زوجها”…كلما ضربها زوجها المشوه و سالت الدماء من أنفها قال لها الجيران” تحملي فهذا قدرك”. كلما نزع منها سوارا ذهبيا قال لها إخوتها”هكذا حالنا و مالنا إلا الحلم…فاحلمي”.
وضاقت الأيام بوردة الجورية. كان زوجها الذميم يهرم و يضعف بدنه و تخور همته بينما كانت هي تزيد جمالا و أنوثة طاغية…كلما ضربها أكثر كلما زاد بريقها و إن خلت الذراعان من الذهب و حل القنب مكان أثواب الحرير.
إلى أن أنجبت يوما طفلين رائعين…البنت كانت في جمال و رقة أمها و إن كانت أكثر وعيا و نضوجا و الولد كان أقوى من والده و من كل أخوته و إن كان قلبه ماسا خالصا لا يخترقه سيف و لا رصاص! وفي ليلة غاب عنها ضياء القمر ومالت فيه موازين الحق حتى لامست الأرض دخل زوج جورية الوحش ومعه أبناء أخواله و اغتصبوها جميعا في حفل صاخب. وفي صباح اليوم التالي اشتكت جورية لكل العالم فسكبوا الدموع عليها و قدموا لها المناديل و غادروها مطأطئي الرؤوس حتى أبناؤها…إلا أصغر أبناءها التوأم. صرخا و انتفضا و ثارا و تكاتفت عليهم القوى. أبوهم و عصابته انهالوا عليهم بالهراوات و الرصاص و جيرانهم أصموا الآذان عن أصوات أنينهم الليلي أما إخوتهما فقاطعوهما ..نعم لقد قاطعوهما فكيف تجرأا على اجترار الرصاص إلى الكهف الآمن؟ كيف سمحت لهما أنانيتهما بأن يعكرا صفو هدوءهم و يقضا مضاجعهم؟ كيف سولت لهم نفسهما أن ينكرا إصلاحات الأب الذي كان قد ألص ورق جدران ملون على جدران الكهف و سمح لهم بنور الكهرباء أكثر من ساعة في اليوم؟ حقا إنهما لخائنان ناكران للجميل.
لكن التوأم أصرا على أنهما على حق و ثأرا لكرامة أمهما المستباحة و طالبا بذهبها المسلوب و أحست هي ببعض الفخر …
ولكن ماتت البنت دفاعا عن أمها و أخيها و رماها والدها خارج الكهف دونما كفن..
اقام لها أخوها أجمل جنازة وداع ..وزغردت أمها بصوتها العذب الممزوج بالعبَرات..
ولا يزال أخوها يقاتل ببسالة فيداه مضرجتان و عيناه امتلأتا بالدم و رجلاه تكادان لا تحملانه و لكن قلبه الماسي ما فتئ ينبض و كل نبضة تصرخ حريةحرية!

.

One Response to “قصـــة وطـــن ..”

  1. قشعر بدني وبكيتني يفكح عينك يا زلمة.. بدك بوسه من جبينك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: