سوريا : في الطريق إلى دولة العصابة 3-الصفقة

 

 

الكل يعتقد بأن حرب اﻷيام الستة كان فيها منتصر واحد وهو ٳسرائيل، و عرب كلهم مهزومون. علوم السياسة و الإستراتيجية متفقة على هذا اﻷمر، لكن لدينا رأي آخر استنادا ٳلى مقاربتنا لعبقرية حافظ اﻷسد اﻹجرامية.

صحيح أن الانتصار الٳسرائيلي لا شك فيه، لكن بين العرب هناك من “انتصر” كفرد أو كنظام حكم.
ٳسرائيل هزمت العرب و ضاعفت مساحتها عدة مرات، مسحت مرارة انسحاب عام 1956 واحتلت كامل القدس ٳضافة ٳلى استيلائها دون جهد يذكر على سيناء و على الجولان المحصن وثرواته. ٳسرائيل كانت ستنتصر على أي حال، لكن مساهمة “المنتصرين” العرب في جهدها العسكري جعلت الانتصار سهلاً و بخس الثمن.

الملك الصغير، داهية العرب، الملك “الحسين بن طلال” نجح في ٳنقاذ نظامه الملكي في اﻷردن. قبل النكسة، كانت الضفة الغربية بكاملها تحت ٳدارة أردنية و كانت حواضر فلسطين العربية خاضعة للحكم الهاشمي في عمان. ٳرهاصات الثورة و التململ الفلسطيني كانت قد بدأت قبل حرب حزيران خاصة في صفوف اللاجئين من عام 1948. سقوط العرش الهاشمي كان قد أصبح مسألة وقت وكاد حاكم عمان يلحق بسلفيه الهاشميين الذين سقطا أولا في دمشق على يد الفرنسيين ثم في العراق على يد عبد الكريم قاسم.

الفلسطينيون المتحضرون، خاصة من أبناء المدن، صاروا يتذمرون من الحكم العشائري في عمان، اللاجئون الفاسطينيون أدركوا عجز العرب و الملك عن ٳعادتهم لبلادهم. أما أبناء القبائل الاردنيون فقد أصبحوا يشعرون بأنهم أقلية في بلدهم.

هذا ربما يفسر مسارعة الملك حسين للمشاركة في حرب كان يعلم أنها خاسرة سلفاً و لم يكن مضطراً للتورط بها. مشاركة اﻷردن في الحرب كانت في النهاية مصلحة ٳسرائيلية و لم تكن لتغير شيئاً في موازين القوى العسكرية. هذه المشاركة سمحت للملك الصغير بالتخلص من عبء القدس و الضفة الغربية بٳلقائهما في حضن ٳسرائيل ! دخول اﻷردن الحرب رسمياً أضعف الدفاعات السورية في الجولان. “المشاركة” اﻷردنية في الحرب تسمح قانونياً ﻹسرائيل بالالتفاف على الحصون السورية في الجولان عبر اﻷراضي اﻷردنية و بمحاصرة الجيش السوري وسحقه هناك. خسر اﻷردن العربي الحرب كبلد و كدولة، لكن العرش الهاشمي كسب بقاءه.

“المنتصر” العربي الثاني، حافظ اﻷسد، ما كانت لتغيب عنه هكذا تفاصيل. اﻷسد كان يدرك أن ٳسرائيل ستنتصر مهما فعل العرب ﻷنها اﻷقوى عسكرياً وبمراحل، ليس فقط بفضل الدعم اﻷمريكي، لكن أيضاً بجهود اﻹسرائيليين الذاتية في ظل تقاعس عربي مزمن، فلماذا لا يحقق اﻷسد لشخصه مكسباً من النصر اﻹسرائيلي المتوقع ؟

الصورة لم تكن وردية تماماً على الجانب اﻹسرائيلي، فاليهود كانوا خائفين من رد فعل الاتحاد السوفيتي و متوجسين من تخاذل اﻷمريكيين عن نصرتهم ٳن هم احتاجوا للعون.
هنا لا بد من العودة ٳلى الوضع الذي كان قائما عشية التاسع من حزيران 1967 بعد تدمير سلاحي الجو المصري ثم السوري و احتلال الضفة الغربية و سيناء.
الأمريكيون، المتورطون حينها حتى الركب في حرب عصابات مكلفة في فيتنام، لم يكونوا راغبين في الانزلاق ٳلى مستنقع عسكري جديد في الشرق اﻷوسط. مع ذلك، كان التدخل، ولو غير المباشر، سيفرض نفسه عليهم ٳن اشتبكت ٳسرائيل في حرب ضروس قد تهدد وجودها، خاصة ٳن كان أحد أطراف الصراع هو الاتحاد السوفيتي.

السوفييت كانت لديهم مشكلة أخرى، فهم من ورطوا حلفاءهم البعثيين السوريين في حرب خاسرة سلفاً و لديهم أزمة مصداقية تجاه حلفائهم منذ حادثة الصواريخ الكوبية في تشرين اﻷول من عام 1962، حين قام “كاسترو” بتحريض من “تشي غيفارا” بالتفاهم مع الاتحاد السوفييتي لنصب صواريخ نووية قبالة البر اﻷمريكي. الرئيس اﻷمريكي “جون كينيدي” حرك أسطوله لمنع سفن السوفييت من الوصول لكوبا. خروتشوف تراجع حينها و سحب صواريخه لتفادي حرب نووية. من يومها ساد اعتقاد لدى قادة الحزب الشيوعي السوفييتي أن خروتشوف “جبان و متخاذل في وجه العم سام”.
أزمة مشابهة سوف تتكرر عام 1967 لكنها ستجد نهاية سعيدة بالنسبة للكبار بفضل حافظ اﻷسد.

بريجنيف، الذي خلف خروتشوف في قيادة الاتحاد السوفييتي قدم نفسه على أنه رجل صلب لا يتراجع، على عكس سلفه خروتشوف. حين أصبح وضع حلفائه البعثيين في دمشق مهدداً من قبل ٳسرائيل التي اجتاحت سيناء و الضفة الغربية وسحقت القوى الجوية العربية، أصدر بريجنيف اﻷوامر ﻷسطوله في المتوسط بالاستعداد لمهاجمة ٳسرائيل، بدءاً بميناء حيفا، دفاعاً عن نظام البعث في دمشق و لتخفيف الضغط عليه.

حينها بالضبط أصدر وزير دفاع البعث السوري، حافظ اﻷسد، بيانه الشهير حول سقوط الجولان قبل أن يدخله أي جندي ٳسرائيلي ! أحد الوزراء السوريين ممن كانوا في زيارة للمنطقة، سمع بسقوط القنيطرة وهو لم يزل داخلها ! حين اتصل الوزير بحافظ اﻷسد للاستفسار عن اﻷمر رد عليه اﻷخير بفظاظة “بأن لا يتدخل فيما لا يعنيه”!

هذا البلاغ “الخاطئ” كان ضربة العمر بالنسبة للأسد. بهذه المناورة وفر صاحبنا على السوفييت تدخلاً عسكرياً مكلفاً لم يكونوا راغبين به كثيراً ، أعطى هذا البيان المبرر لبريجنيف لكي يقول لرفاقه في اللجنة المركزية “أن اﻷمر قد انتهى وأن الجيش السوري قد انهار فلا معنى للتدخل من أجل معركة قد خسرها صاحبها سلفاً” خاصة أن ٳسرائيل لم تهاجم دمشق بعد سقوط الهضبة و اكتفت بثمرة الجولان الناضجة.
حين أتبع اﻷسد بيان السقوط بأمر “الانسحاب الكيفي” فهو “أهدى” عملياً الجولان ﻹسرائيل دون قتال، لو كان الجيش السوري قد حارب وتمسك بمواقعه المحصّنة، لكانت ٳسرائيل ستضطر للالتفاف عليها عن طريق شمال اﻷردن و تهديد دمشق وفي نفس الوقت ستحاصر القوات السورية المدافعة عن الجولان. هذا ما كان اﻷسد يرغب في تجنبه ﻷنه كان سيؤدي ربما ٳلى دخول السوفييت على الخط لحماية دمشق و نظام البعث فيها و قد يكون من “نتائجه الجانبية” تدمير الجيش السوري بشكل كامل، هذا الجيش الذي سيكون سنده المقبل في الوصول ٳلى السلطة.

كان في ٳمكان اﻷسد، نظرياً على اﻷقل، التمسك بالجولان و الدفاع عن الوطن ثم وضع السوفييت أمام مسؤولياتهم و دفعهم للتدخل لحماية النظام الذي كان ربما كان سيخرج من اﻷزمة سالماً غانماً. لكن اﻷسد لم يفعلها، فلماذا ؟

اﻷسد لم يفعل ذلك “لكي يوفر الجهد” على السوفييت، لكنه كان على ثقة أن التدخل السوفييتي لحماية النظام لن يكون مجانياً. السوفييت لن يتورطوا عسكرياً لحماية سوريا ثم يرحلون. لو أتى السوفييت فهم سوف يأتون ليبقوا و سيقومون بدعم “أخوته اﻷعداء” من يساريي النظام و سيعملون على تحويل سوريا ٳلى نظام شيوعي خاضع لموسكو بقيادة “صلاح جديد”. قدوم السوفييت للمساعدة في الدفاع عن النظام كان سيعني أن أحلام اﻷسد في حكم سوريا لوحده سوف تتبخر، وكان سيضع ٳسرائيل وجها لوجه مع السوفييت وهو ما لم تكن تريده الدولة العبرية.
هكذا تلاقت أهداف اﻷسد ومصالح ٳسرائيل ﻷول مرة و سوف تستمر في الالتقاء مرات و مرات في المستقبل.

بضربة معلم، أرضى اﻷسد كل اللاعبين الكبار في المنطقة. أمام رفاقه البعثيين، أوضح لهم أنه بٳعلانه سقوط الجولان أنقذ النظام من سقوط محقق ﻷن الجيش السوري الذي فقد الغطاء الجوي كان سيتم سحقه و لن يبقى أحد ليحمي نظام البعث في دمشق خاصة أن االدعم الروسي لم يكن مضموناً ونتيجته غير مؤكدة. الروس لم يحتاجوا للتدخل عسكرياً و حافظوا على ماء وجههم ٳضافة ٳلى أن النظام الذي كانوا سيحمونه قد نجا من اﻷزمة “بفضل حنكة وزير دفاع هذا النظام”.

اﻷمريكيون شاهدوا بعين الرضى انتصار ربيبتهم ٳسرائيل السهل و رخيص الثمن، دون أن يضطروا لمساعدتها. أخيراً ٳسرائيل نالت كل ما تبتغي و أكثر، بل لعل اﻷسد سوف يكون رجلها المقبل في دمشق.
هكذا كسب اﻷسد رضا اللاعبين الكبار، ٳقليمياً و دولياً، وهم الذين ضمنوا له حكم سوريا مستقبلاً، له ولذريته من بعده، دون منازع.
لكن اﻷسد الصبور و الذكي كان يطمع ﻷكثر من مجرد القفز على السلطة فوراً، اﻷسد كان يريد أكثر من ذلك بكثير.
ماذا كان يريد اﻷسد و ماهي خطواته المقبلة ؟

هذا ما سنحاول رؤيته في المقالات المقبلة.

 

أحمد الشامي

نشرت في حريات : | | العدد 18 |الاثنين 19 كانون الاول 2011 http://www.elaphblog.com/shamblog

http://www.syrian-hurriyat.com/issues/Hurriyat_issue18.pdf

 

 

 

 

 

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: