خواطر في الربيع السوري: من العبث إلى الرجاء

 

 

نبراس شحيد
——————–

هو شخص ممزق مسكين، تطرده الشرطية فيشعل النار في جسده! هو حالة من فيض اليأس في وجود من اللامعنى. هو البوعزيزي كظاهرة عبثية وجدت في العدم خلاصاً! لكن، لم يتسنَ لهذا الذي أشعل النار في جسده يائساً أن يرى كيف أحرقنا بلهيبه، وكيف امتدت ألسنة نيرانه غرباً وشرقاً لتصل إلى سوريا. هذا الذي كان في ذاته حالة من فقدان المعنى، تحول في الفعل الثوري إلى فيض من المعنى، عندما انتقلنا من الحالة العبثية إلى عبثية استمرار هذه الحالة، أي عندما تحول تمرد البوعزيزي على حياة مجردة من المعنى إلى تمرد شعبي على ظلم يُفقدنا المعنى. هكذا، انقلب انتحار اليائس تجلياً: تجلي رغبتنا العميقة في وطن!

تنشد الرغبة هذه وطناً لا تراه، فالحاضر أسود، ودماؤنا في عيون من يضغطون على الزناد رخيصة. لكن رغبتنا التي تنشد ما لا نراه، تتعرف في الحالة السورية كواقع يتجاوز حاضر واقعنا، فحاضرنا، الذي ما زال مأساوياً، يحمل منذ الآن وطناً جنيناً يتجسد في أيقونات وجوهنا، كما تجسد على سبيل المثال في وجه غياث مطر، فهو الذي سقى جلاديه ماء، ومات من أجل وطن لم يره، فكان هو الوطن! كان الوطن في حرية غياث واقعاً، لكنه يتجاوز آنية واقعنا، وبالتالي كان رجاء، ففي الرجاء يعيش الإنسان منذ الآن «ما لم تره عين ولا تسمع به أذن»، فيحيلنا إلى حركية لا يمكن أن تنتهي، نصبو فيها دائماً إلى مزيد من الحرية. الرجاء، لاهوتياً وفلسفياً، حالة من تجلي المعنى تتجاوز حدود اللحظة، أي من تجلي الوطن كبريق في عيني غياث أو كطفل في جسد حمزة المبتور، لكن قائماً من بين الأموات في دوافعنا وإرادتنا، وطناً، حلماً، أفقا…

ينكشف الرجاء هكذا كمفهوم إشكالي مؤسس في الوقت ذاته على النقص (لأنه يدعونا دائماً إلى المزيد عندما يكون الوطن أفقاً) وعلى الوعد (لأن ما ننشده حاضر منذ الآن في قلب النقص من خلال حمزة وغياث وهاجر…)، وككل حالة إشكالية، سيبقى الرجاء فريسة لخطرين. بداية، خطر الطوباوية القائم على إنكار النقص، وهذا ما قد تكشفه بعض خطابات الشبيبة المتحمسة التي ترى في مجرد إسقاط النظام الحل السحري لمشكلة الديموقراطية. ثم، خطر التراجيديا القائم على إنكار الوعد خوفاً من المجهول، وهذا ما قد تكشفه بعض خطابات الغالبية الصامتة.

نستشف هذين الخطرين بادئ الأمر من الحرب الإعلامية، ففي ظل قمع الصحافة وتغييب وسائل الإعلام المستقلة، يتحول الشارع السوري إلى سوق من الإشاعات قد تختزل فيه الحالة الثورية إلى حالة تراجيدية (الثورة كعنف مطلق) أو طوباوية (الثورة كيوتوبيا)، لا جدلية قائمة في الوقت عينه على النقص والوعد، وبالتالي يُخطف منا الرجاء…

لكن أزمة الرجاء التي تتكشف في الحرب الإعلامية، هي قبل كل شيء أزمة هوية، فمنذ خمسين عاماً ونحن نجتر الإيديولوجيا البعثية حتى تحولت في نظر البعض إلى مكون أساسي في بنية الهوية السورية. وبما ان تحقيق الايديولوجيا هذه قد قام على نفي الآخر من خلال تدمير الحياة السياسية في العقود الماضية، تحول تغيير النظام أو حتى المساس به عند البعض إلى تهديد «للهوية الوطنية»، فانقلب ماضينا المقموع جنة طوباوية مقدسة! وهنا تبرز من جديد محاولة خنق الرجاء، فالرجاء قبل كل شيء حالة يتجاوز فيها الواقع الحاضر، ويرفض فيها الإنسان ان يُسجن في هوية صنمية بل يتعرف ذاته في صيرورة مستمرة.

لكن إشكالية الهوية، تتجاوز كما هو معلوم اليوم في سوريا حدود الوطنية لتعبث عند البعض بالمسألة الطائفية حيث يتم اختزال الفعل الثوري في نظر من يعتبر نفسه مهدداً إلى حرب دينية. يتحدد الحراك الشعبي، كما رأينا، كعبور مستمر من تمرد على حياة فاقدة للمعنى إلى تمرد على الظلم الذي يفقد الحياة معناها، ومن يتكلم على تمرد في ظل أزمة هوية وفي ظل محدودية إمكانيات المعارضة في تأطير الحراك سياسياً حتى الآن، هو يتكلم حتما على حالة من الانفجار! ومن الطبيعي في حركية الانفجار ان تنبعث شياطين الطائفية في وساوس بعضنا. لكن، يشكل اختزال الحراك هنا إلى حالة طائفية محاولة اخرى للانحباس في الحالة التراجيدية، فمن يتكلم على انبعاث شياطين الماضي، يجب عليه ان يتكلم أيضاً على انبعاث ملائكته وذكريات جميلة تآخى فيها الجميع في ظل الوطن.

وهنا يؤسفني كراهب مسيحي ان أرى كيف راهن الكثير من رجال الدين على شياطين الماضي محولين «الربيع العربي» إلى شتاء ديني يتم فيه اختزال الحالة الثورية إلى «مؤامرة»، فتتقدس السلطة من جديد (الأبيض) ويخوّن المتظاهرون (الأسود) من دون الدخول في حوار نقدي يحاول تجنيب الموالاة خطر التراجيدية، والمعارضة خطر الطوباوية. وهنا تبرز من جديد محاولة خنق الرجاء، فهذا قبل كل شيء حالة نقدية تكشف عما لا يكف عن التجلي من مزيد من المعنى في واقع فقدان المعنى…

في زمن يبدو فيه الإحباط سيد الموقف، يدعونا غياث وحمزة وهاجر إلى الحفاظ على جدلية الرجاء بين النقص والوعد حيث يتجاوز الواقع واقعيته السوداء، والهوية صنميتها، والدين انغلاقه، ويعقلن الانفجار، وينقلب العبث معنى، ويتحول الوطن إلى وطن هنا، لكنه لا يكف عن المجيء…

 

 

(راهب يسوعي من سوريا)

السفير 22/12/2011

 

 

 

 

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: