وأطيعوا ..

 

إيناس الخالدي

——————————-

 

في زمن خذلنا فيه كثير من علماء الإسلام لن نكون أبداً أتباعاً في الخذلان .. نعم جزء من هذه الثورات هو ثورتنا على التقليد الأعمى وعلى التسلط المشيخي والاجتماعي معاً ..
قلت كثير لأن من العلماء من وقف موقفاً يشرفه عند الله وعند عباده، ومنهم من حارت في مواقفهم عقولنا فاستثقلنا اتهامهم بالنفاق أو الخيانة، لكن لا نستثقل أن نتهم بالخطأ فما من بشر فوق الخطأ وما من أحد بعد رسول الله “ما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى” ..

وإنما دفعني لأخط كلماتي هذه هو الدفاع عن الإسلام الذي يبيعون باسمه صكوكاً يملّكون بها الطغاة أموالنا وأعراضنا وعقولنا وبلادنا بما حوت .. أكتب هذه السطور عسى أن أبرّئ ساحة الإسلام مما يرمونه به من ممالأة للظلم وخنوع للبطش وسلبية في طلب الحقوق وقعود عن السعي لاستعاده المغتصب ..

إن من أول ما تعلمناه عن ديننا هو أنه أخرج الناس من عبادة العباد، فلماذا نرى شيوخنا يدفعوننا بعد كل صلاة لنؤدي الركوع والسجود لمن سرق ونهب، وظلم واغتصب، وباع وخان .. لماذا يسمّون الأشياء بغير مسمياتها؟ لماذا يسمون الثورة “فتنة” ولماذا يسمون “الشهداء” قتلى ولماذا يضعون الجلاد موضع التعظيم ويضعون المجلود موضع المذنب الذي يستحق العقاب ..
أيها الشيوخ الأفاضل .. إنّ من خرج لم ينتظر منكم فتوى فالأمر أكثر بداهة من أن يُسأَل عنه .. حُكْمٌ سرق أموالنا وكمّمّ أفواهنا وقتل أبناءنا ورمل نساءنا ويتّم أطفالنا .. بماذا يختلف عن أي غازٍ يعلن الإسلام ضده الجهاد؟ وهل يرتضي الله لعباده أن يسكتوا على الظلم وهو الذي قال في الحديث القدسي (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) [1] ؟

العلاقة بين الحاكم والمحكوم قائمة على أساس العقد الاجتماعي الذي تحدث عنه علماء السياسة والاجتماع قديماً وحديثاً. ولقد أوضح القرآن الكريم “بنود التعاقد [2]” بين “الرعية” و “أولي الأمر” في سورة النساء والآيات كما يلي:

( إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِ‌ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦۤ‌ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرً۬ا (٥٨) يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ‌ۖ فَإِن تَنَـٰزَعۡتُمۡ فِى شَىۡءٍ۬ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأَخِرِ‌ۚ ذَٲلِكَ خَيۡرٌ۬ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلاً (٥٩) أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَـٰلاَۢ بَعِيدً۬ا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودً۬ا (٦١) فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَـٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَـٰنً۬ا وَتَوۡفِيقًا (٦٢) أُوْلَـٰٓٮِٕكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِہِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡہُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِىٓ أَنفُسِہِمۡ قَوۡلاَۢ بَلِيغً۬ا (٦٣) وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ‌ۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابً۬ا رَّحِيمً۬ا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِىٓ أَنفُسِہِمۡ حَرَجً۬ا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمً۬ا (٦٥)

ولقد وصل إلى يدي منذ عام تقريباً كتاب للدكتور محمد عمار اسمه الإسلام والسياسة، وهو في الواقع من أروع ما قرأت على الإطلاق. وهو يعالج هذه الآيات في جزء من كتابه..

تبدأ الآيات إذاً بوجوب أداء الأمانات والحكم بين الناس بالعدل، وللدكتور محمد عمارة في هذا الخصوص إشارات مهمة:
– على أولي الأمر أن يؤدوا الأمانات .. أمانات السلطات التي فوض إليهم الناس أمر القيام بها نيابة عنهم .. أن يؤدوا هذه الأمانات إلى أهلها المستحقين لها .. كل الأمانات وكاملها في كل ميادين السلطات.
– ولقد بدأت بنود التعاقد بما هو مفروض على أولي الأمر لما لسلطانهم وسلطاتهم من خطر في شؤون الدولة والعمران .. وللتأكيد على أن وفاءهم بما فرض الله عليهم هو الشرط والمبرر لطاعة الأمة والرعية لهم ..
– وزيادة في التنبيه على خطر مسؤولية ولاة الأمر، نبّهت الآية على أن هذا الوفاء في تأدية الأمانات هو أمر الله وفريضته ] إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ [.. فهو ليس شأناً دنيوياً صرفاً بين الرعاة والرعية ..

(معنى هذا الكلام أن الرعاة يتقربون إلى الله بأداء حقوق الناس فماذا لو لم يؤدوها؟ أفلا يحل عليهم غض من الله لترك فريضة قررها عليهم ووعظهم للامتثال بها؟)

– ومع الشمول الذي يدل عليه مصطلح “الأمانات” خصت الآية بالذكر “الحكم بالعدل بين الناس” ..
– وفي مقابل وفاء أولي الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل بين الناس تكون طاعة الرعيّة ..
(جميل .. إذاً ليست الطاعة رخصة تعطى للحكام ليستبيحوا من شعوبهم ما راق لهم أن يستبيحوا، وإنما هي وفاء الأمة ببيعتها للحكام الذين وفّوا بأماناتهم وحكموا بالعدل)
– ومما تدل عليه الآيات: أن الطاعة الواجبة على الرعية ليست لمطلق “أولي الأمر”. فالطاعة أصلاً إنما هي لله (أَطِيعُواْ ٱللَّهَ) ثم للرسول فيما يبلّغ عن الله (وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ) . . . ثم تأتي الإشارة إلى طاعة أولي الأمر فتذكرهم بصيغة الجمع، تأكيداً على نفي الاستبداد والانفراد بالسلطة والسلطان – فهم “أولو الأمر” لا “ولي الأمر”.

(سبحان الله .. دقة اللفظ في القرآن تحدد أموراً مهمة .. ليس في الإسلام مكان لاستبداد شخص أبداً .. والوثن لا يغيّر من وثنيته أن يكون بشراً من لحم ودم .. كل الوثنية مرفوضة في الإسلام! وبالمناسبة كلمة ولي ذكرت في القرآن في مواضع محدودة وفي الغالب تكون الإشارة بها إلى الله عز وجل “الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور “[3])
– ولا بد أن يكون أولو الأمر من المؤمنين المتقين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر .. أي لابد وأن يكون أولو الأمر ملتزمين بالطاعة لله والرسول، فتكون الشريعة هي الحاكمة في علاقاتهم بالمحكومين (وَأُوْلِى ٱلۡأَمۡرِ مِنكُم‌) ..
– ثم تجعل الآيات المرجعية عند حدوث التنازع والاختلاف، بين طرفي التعاقد – الرعية .. والرعاة – لله ورسوله..

(ملاحظة على الهامش .. تعني هذه الآية أن حدوث التنازع ممكن! أي أننا من حقنا كطرف في العقد أن نتنازع مع الطرف الآخر إلى وجدنا حقوقنا تمتهن! وتعني أيضاً أنه إذا وقع خلاف من هذا النوع كان مرده للكتاب والسنة لا للسجن والأغلال!! لماذا إذاً يا فضيلة شيوخنا تخرجوننا عن الملّة إذا نبسنا ببنت شفة وتلعنونا ليل نهار لأننا “شققنا عصا الطاعة” ؟؟؟)

– ورأي الدكتور محمد عمارة هذا ليس بدعاُ من الآراء ولا جديداً في عالم السياسة الشرعية، فقد قال ابن تيمية في هذه الآيات “جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة” وهو أيضاً يشير إلى أن الآية الأولى نزلت في أولي الأمر، والثانية في الرعية توجب عليهم أن يؤدوا الطاعة لأولي الأمر الذين أدوا الأمانات إلا أن يؤمروا بمعصية الله فحينها لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

(معصية الخالق .. مثل ماذا؟ قتل النفس البريئة؟ سرقة الأموال؟ استباحة الأعراض؟ تكميم الأفواه عن الحق؟ تكبيل الدين؟ أليست كل هذه الجرائم مما اعتاد حكّامنا أن يمارسوها في حقنا؟ أليسوا يأمرون مسؤوليهم – أو على الأقل يبيحون لهم – أن يظلموننا ويقتلوننا ويأكلون حقوقنا؟ لماذا تريدون منا بعد ذلك أن نؤدي واجبنا في عقد هم نقضوه منذ زمن؟!!)

– ومن اللفتات الجميلة في هذا الخصوص رأي الإمام محمد عبده في من هم “أولي الأمر” .. يرى الإمام أن اللفظ يعم كل من ولي من أمر المسلمين طرفاً .. أي أن اللفظ يشمل الحكام (السلطة التنفيذية) .. ويشمل أيضاً القضاة (السلطة القضائية) والعلماء (السلطة التشريعية) وقيادات المؤسسات والمجتمع .. رؤية توزع السلطات بدل أن تكدسها في يد شخص تجعله هو الدولة والقانون والقيادة معاً ..
فالطاعة إذاُ ليست لكل حاكم ولا لأي حاكم فلا تبيعوا وتشتروا باسم الإسلام الذي حرر البلاد والعباد فأردتموه تقييداً وكبتاً ولا تنبشوا في الكتب الصفراء عمّا كُتِب في الأساس لإرضاء من سلف من الحكّام المستبدين ..

روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال “ألا أخبركم بخيار أمرائكم و شرارهم ؟ خيارهم الذين تحبونهم و يحبونكم و تدعون لهم و يدعون لكم و شرار أمرائكم الذين تبغضونهم و يبغضونكم و تلعنونهم و يلعنونكم” [4]
يؤكد حديث رسول الله على ضرورة رضا المحكومين بحاكمهم وعلى أن خيرية الحاكم تقاس بمدى محبة ورضا الناس عن حكمهم .. والعكس صحيح .. فإذا أبغض الحاكم محكوميه كان ذلك دليلاً على أنه من شرار الأمراء لا من خيارهم .. ومتى ينشأ البغض بين الحاكم والمحكومين؟ عندما ينصّب المحكوم نفسه على رؤوس العباد رغم إرادتهم ودون رضاهم ثم يأخذ منهم السمع والطاعة زوراً وبهتاناً بل إرهاباً وإرغاماً .. فيبغضونه لظلمه ويبغضهم لأنهم خطر يتهدده في كل وقت ..

لماذا تقرؤون علينا القرآن الذي يحدثنا عن فرعون وتلعنون أفعاله وتعيدون على مسامعنا قصته حتى إذا ما قمنا إلى فراعيننا ننتزع حقوقنا اتهمتمونا بالعمالة والخيانة والفسوق؟ لماذا علمتمونا أن “أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضع رجله في الغرز : أي الجهاد أفضل ؟ قال : كلمة حق عند سلطان جائر” [5] فلما قمنا نقول كلمة الحق اختبأتم في المحاريب ورميتمونا بالفساد والإفساد وبالفتنة والافتتان؟
لماذا علمتمونا أن رسول الله قال: “سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه، فقتله” [6]
فلما قتل زهرة شبابنا على يد الحاكم الجائر قلتم “سلوا عن الأسباب لا تسألوا عن النتائج”!!!

لا طاعة إلا لمن أطاع الله فينا .. لا طاعة إلا لمن خاف الله فينا .. لا طاعة إلا لمن اتقى الله فينا ..

——————————————————————–

[1] رواه مسلم (165).

[2] الكلام عن بنود التعاقد مأخوذ في أغلبه من كتاب الإسلام والسياسة للدكتور محمد عمارة.

[3] البقرة (257).

[4] نقله السيوطي في الجامع الصغير (2599)، وأخرجه الترمذي (2264) وقال عنه الترمذي: حسن غريب، وصححه الألباني.

[5] النووي في تحقيق رياض الصالحين وقال صحيح.

[6] أخرجه السيوطي في الجامع الصغير وقال صحيح، ومن المحدثين من قال: صحيح أو حسن أو ما قاربهما.

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: