وصفات اﻷسد

 

 

حين غادر “حافظ اﻷسد” دنيانا الفانية ترك وراءه مجموعة من “خرائط الطرق” و وصفات جاهزة للاستعمال في كل حالة. بكلمة أخرى، ترك اﻷسد اﻷب لوريثه “طريقة استعمال” لسوريا وللنظام الذي أنشأه حافظ وسهرعليه طيلة ثلاثة عقود.
حافظ اﻷسد درس تقريباً كل الاحتمالات التي قد تعترض اﻷسد الصغير ونصحه بأن “يمانع” دون مقاومة وأن يقاوم بالكلام فقط وأن لا يدخل في مواجهة مع من هو أقوى منه مهما كانت الظروف، ٳلى ما هنالك من طرق عمل نظام الشبيحة التي أصبحت معروفة للجميع.
بعدما سوى اﻷسد اﻷب اﻷوضاع بين سوريا وتركيا وفق اتفاقية أضنة المعروفة، وبعدما تأكد من متانة تحالفه مع أمريكا وٳسرائيل والغرب وروسيا والصين وحتى دول النظام العربي كلها بما فيها نظام صدام المحاصر، كان منطقياً أن “يسمح” اﻷسد اﻷب لنفسه بالموت وهو مطمئن ٳلى أن حكمه سيدوم جيلين على اﻷقل، تماماً كما تعهدت السيدة “أنيسة مخلوف” أن حكم سوريا ولبنان هو للأسد حتى ولد الولد !
بالفعل، جرت اﻷمور وفق “دليل العمل” الموضوع. بعد مهزلة التوريث و”البيعة” وحين بدأ ربيع دمشق واجهه اﻷسد الابن بالانفتاح ثم بالقمع. بعدها بقي اﻷسد الابن “يطالب” ببلادة بانسحاب ٳسرائيل من الجولان دون أن يفعل أي شيء من أجل ذلك. الابن استمر في ذات سياسات اﻷب الذي كان يحكم سوريا من قبره. حين قرر الرئيس “بوش” الابن معاقبة سوريا، هرع بشار ٳلى “صديق” والده شارون كي ينصحه ويحميه، قبل أن يفر بجلده من لبنان وفق نصائح الصديق “ارييل”.
اﻷسد اﻷب غاب عنه، لحسن حظ السوريين ربما، أن التنبؤ بكل شيء مستحيل وأن الحياة والناس يتغيرون أحياناً و بسرعة.
عاملان اثنان هما نقطتا ضعف للنظام الذي خلفه حافظ اﻷسد وراءه، اﻷول هو زلزال الحادي عشر من أيلول 2001 والثاني هو الاهتراء الطبيعي للنظام وصعوبة التحكم في منظومة شخصانية مطلقة في غياب الرئيس المؤسس وفي غياب القدرات الاستثنائية والموقع الفريد لمؤسس النظام. المزايا التي تمتع بها حافظ الذي كان قادراً على ممارسة العنف اللامحدود والنفاق السياسي في آن واحد ليست لدى أي من أبنائه
زلزال نيويورك أضاف عاملاً لم يكن في حسبان العراب المؤسس لنظام العصابة في دمشق. أمريكا تعرضت لعدوان موصوف وﻹهانة غير مسبوقة في كل تاريخها، لم يجرؤ أحد على مهاجمة البر اﻷمريكي حتى خلال حربين عالميتين.
“غزوة نيويورك” فتحت أعين اﻷمريكيين على مدى اغترابهم عن العالم الحقيقي وعلى سوء صورتهم في العالمين العربي واﻹسلامي لدرجة أصبحت خطراً على مستقبل أمريكا ذاتها. أدرك اﻷمريكيون أن كل الطغاة العرب هم في نظر شعوبهم أدوات أمريكية قبل أن يكونوا طغاة محليين ! حتى ٳسرائيل هي في مأمن من الغضب العربي واﻹسلامي بعكس أمريكا ! صورة الشيطان اﻷكبر التصقت باﻷمريكيين لدرجة جعلتهم مسؤولين عن كل شيء سيء يحدث في العالم حتى الكوارث الطبيعية. المسلمون والعرب “نسوا” أن اﻷمريكيين أنقذوا البوسنة المسلمة وحرروا الكويت وأن هناك الملايين من المسلمين اﻷمريكيين المتمتعين بكل حقوق المواطنة وهذا ليس حال فلسطينيي الضفة والقطاع مثلاً.
بعد أيلول 2001 بدأ ابتعاد أمريكا عن الدعم اﻷعمى للطغاة والاقتراب من الشعوب ولو بحذر وببطء شديدين. من هنا بدأ أيضاً التباعد بين نظام اﻷسد وأمريكا مع بقاء التنسيق الاستخباراتي بين الطرفين. اﻷسد الابن استعاض عن “الحليف” اﻷمريكي بتعميق ارتهانه ﻹيران وبتوثيق حلفه غير المكتوب مع ٳسرائيل. أمريكا لم تعد حليفاً مطلقاً للنظام و نظام اﻷسد تورط لحساب ٳيران وٳسرائيل، بغباء منقطع النظير، في عداوة مفتوحة مع اﻷمريكيين الذين احتلوا العراق بحجة تحريره من صدام..
حين انسحب اﻷمريكيون من العراق، وقعت بلاد الرافدين في الحضن اﻹيراني، وتخلصت ٳسرائيل من ظل الوصي اﻷمريكي المزعج، لكن اﻷسد الوريث هو من حمل مسؤولية الدم اﻷمريكي المسفوك في العراق…
ليس هذا هو خطأ اﻷسد الابن الوحيد ، ٳذ لم يترك اﻷسد الوريث خطأ ٳلا وارتكبه ! من الوعد بالاصلاح فور وصوله للسلطة قبل ٳعادة ممارسات أبيه بغباء، بحسب الوصفات الجاهزة حرفياً بعد أن ظن السوريون أن النظام قابل للتطور، ٳلى التورط في العداء المجاني ﻷمريكا في العراق لصالح ٳيران، مروراً باغتيال الحريري والخروج المذل من بلاد اﻷرز. اقتصاديا تتلخص مسيرة النظام في تفكيك الضمانات الضئيلة للفقراء والتي حافظ عليها اﻷسد اﻷب ثم تحويل سوريا ٳلى مزرعة (أو مسلخ) لآل اﻷسد دون وازع.
ليس مستغرباً ٳذاً أن يبدأ نظام اﻷسد في التحلل، وأن يتجلى للملأ مكونه المافيوي فور بدء الاحتجاجات في درعا، الغريب هو استمرار العصابة اﻷسدية في حكم سوريا لاثني عشر عاماً، دون خضات تذكر، بعد رحيل العراب المؤسس اعتماداً على “وصفات” فات أوانها. في الحقيقة، لم يتعرض النظام ﻷي تهديد جدي قبل اندلاع الثورة السورية في آذار 2011.
في 14 آذار 2011 كان اﻷسد الوريث، رغم كل أخطائه و عثراته، في موقف الحاكم المطلق لسوريا مع قبول شعبي عام و قناعة، زائفة، لدى السوريين بأن رئيسهم الشاب قادر على التطور وغير دموي مثل أبيه. ما حصل في درعا غيّر كل هذا.
في درعا، ظهر ضعف الرئيس بشار للعلن حين عجز اﻷسد الوريث عن محاسبة ابن خالته اﻷخرق “عاطف نجيب” ولو شكلياً رغم أن اﻷخير راكم اﻷخطاء القاتلة والتصرفات الصبيانية. بعدها لم يقدر اﻷسد الابن على تقديم ولو كبش فداء من أي من عناصر اﻷمن “غير المنضبطين” بعد جريمة اغتيال “حمزة الخطيب” وتشويه جثته.
ليست مجازر اﻷسد اﻷب وحدها هي ما ضمن له السيطرة على سوريا، فاﻷسد اﻷب، ثم ابنه باسل قبل وفاته، كانا يتظاهران بمعاقبة من يتجاوز حدوده من آل اﻷسد. يذكر أن “باسل” اﻷسد قام بصفع أحد أبناء عمه علناً بعدما كان هذا اﻷخير قد قتل شرطياً…لم يحاكمه ولم يعدمه، اكتفى بصفعه ﻷنه قتل شرطياً…
بالمثل، قام اﻷسد اﻷب “بمعاقبة” أشقائه الذين تجاوزوا حدودهم، فطرد رفعت مع مبلغ محترم من المال حين حاول اﻷخ المدلل القفز على السلطة كما وضع اﻷسد اﻷب حدوداً لممارسات جميل اﻷسد، أو على اﻷقل هكذا ظن السوريون.
القاعدة لدى العصابات هي أن لا صوت يعلو على صوت العراب ولا أحد يقدر على تحدي سلطته، حين يعجز “رئيس العصابة” عن فرض احترامه وعن منع أزلامه من تعريض نظامه للخطر يصبح المجال مفتوحاً لكل “الطموحين” من زبانيته لتشكيل عصابات خاصة بهم. المجازر البشعة في الحولة والقبير تؤكد أن سلطة بشار اﻷسد لم تعد تقنع أحداً من زعران النظام.
ما معنى هذا الكلام ؟ معناه أن دولة قمعية لا تقدر أن تقمع زبانيتها قبل أن تقمع شعبها هي في طريقها ٳلى التحلل. كان على بشار اﻷسد أن يبدأ بلجم السفاحين من أزلامه قبل أي شيء آخر. لكن بشار بدا ضعيفاً ومهزوزاً وغير ذي صلة منذ بداية الثورة فكيف له الآن أن يفرض سلطته على جلاوزته وأن يطبق أي اتفاق قد يتم فرضه مستقبلاً على النظام، بعدما كان قد عجز عن “صفع” ابن خالته ؟
بالنتيجة، بشار اﻷسد قد انتهى بالنسبة لاتباعه قبل أن ينتهي بالنسبة للشعب السوري، وصعود الشقيق الدموي “ماهر” أو من هو أكثر دموية منه يبدو شرطاً لازماً لبقاء النظام وللجم زبانيته قبل غيرهم. الروس يدفعون في هذا الاتجاه على ما يبدو.
العالمون بخفايا النظام اﻷسدي يؤكدون أن “ماهر” وليس “بشار” هو من يقرر و يقود العمليات العسكرية وأن بشار يكتفي بتوقيع اﻷوامر العسكرية وبٳصدار تصريحات فارغة كنوع من تقاسم اﻷدوار، مثل “بوتين” و”مدفيديف” ومن شابه حاميه فما ظلم.
بشار قادر فقط على “تخويف” المدنيين العزل بحسب الحلقة الضيقة في النظام، في حين أن شقيقه السادي “ماهر” يبدو أقدر على تأطير عنف النظام في اتجاه الشعب الثائر (وهو ما يفعله الآن) ثم في اتجاه “الشبيحة” ٳن هم خرجوا عن اﻷوامر المعطاة لهم وهو ما لا يريد ولا يقدر بشار على فعله خوف الاصطدام بشقيقه الدموي.
في النهاية، يبدو التغيير الوحيد الممكن من داخل النظام هو أن يسير هذا اﻷخير وفق منطق العصابة الذي حكم نشأته وتطوره وأن يتسلم موقع الرئاسة من هو قادر على ممارسة العنف المفرط وعلى التحكم بهذا العنف، بما يوجب على زبانية النظام احترامه وٳطاعته.
بكلمة أخرى، حين يطالع السيد بشار اﻷسد كتاب الوصفات الذي تركه له والده الراحل، تحت بند التغيير، أو “الخطة باء” سيجد جملة واحدة : “بشار يتنحى ليحل محله ماهر، بعدما يكون هذا اﻷخير قد خلع “بيجامته” وارتدى البزة العسكرية…”.
ليس أكيداً أن الثوار السوريين سيفرحون بهكذا “تغيير” ضمن النظام لن تكون نتيجته سوى اﻹيغال أكثر فأكثر في الدماء السورية البريئة.


أحمد الشامي

http://www.elaphblog.com/shamblog
ahmadshami29@yahoo.com
نشرت في بيروت اوبسرفر الخميس 21 حزيران 2012
http://beirutobserver.com/index.php?option=com_content&view=article&id=78258:assad&catid=39:features

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: