الرد التركي

 

 

 

بعدما وجد رئيس الوزراء التركي نفسه على وشك أن يتورط في صراع عبثي مع نظام اﻷسد وحلفائه، ربما بدأ رجل دولة المؤسسات التركية المهذب يتعلم ألف باء التعامل مع العصابة الحاكمة في دمشق.
الخبراء الروس في سوريا هم على اﻷغلب من أسقط الفانتوم التركية وقتل طياريها، لكن الرد الاردوغاني محكوم بالتوجه ٳلى نقاط ضعف اﻷسد لعجز اﻷتراك عن الرد مباشرة على روسيا. لعلها ليست صدفة ربما أن يتم ٳسقاط طائرة هيليكوبتر سورية بعد ساعات على سقوط الطائرة التركية، تلاها الهجوم على مطار منغ قرب حلب وبعده مطار مرج السلطان قرب دمشق. لسان حال أنقرة يقول “ٳن سقطت لنا طائرة فسوف ندمر لكم مطارات وليس مجرد طائرات….”.
هذه الرسالة المضمرة تضاف ٳلى التطور النوعي والتدريجي في تسليح الجيش الحر والذي تجلى في قدرة كتائب هذا الجيش على تدمير الدبابات اﻷسدية بما فيها الطرازات الحديثة منها بل وٳسقاط طائرات هليكوبتر ومهاجمة مطارات. صحيح أن الثوار قد تمكنوا من الحصول على أسلحة و ذخائر متطورة من مخازن الجيش النظامي، لكن تزايد ٳمكانات الجيش الحر وتمكنه من تدمير دبابات في دوما وداريا وغيرها، قد يدل على وصول دفعات من اﻷسلحة النوعية ٳلى كافة أرجاء سوريا وليس فقط قرب الحدود اللبنانية والتركية.
تطور آخر مهم هو طلعات الطيران التركي الفورية رداً على اقتراب حوامات اﻷسد من الحدود التركية. ماذا يعني هذا التطور؟
حالياً، يتمتع جيش اﻷسد بالتفوق الجوي وبالسيطرة على أجواء البلد بالكامل، لكن الرد التركي يجعل أي طيار سوري يفكر مرتين قبل الاقتراب من الحدود التركية. على مبدأ “يا روح ما بعدك روح” يدرك هؤلاء الطيارون أن فرصهم في النجاة ٳن هم اقتربوا من الحدود التركية ولو بالخطأ قريبة من الصفر.
بالتالي، سوف نرى في اﻷسابيع المقبلة تراجعاً في عمليات حوامات اﻷسد قرب الحدود التركية. بوادر ابتعاد زبانية اﻷسد عن الحدود التركية قد بدأت بالفعل مع انسحاب القطعات البرية التي كانت قريبة من الحدود.
بالنتيجة، قد تنشأ “منطقة عازلة” فعلية غير معلنة على الحدود الشمالية لسوريا وعلى امتداد خط الحدود التركية…
الطريقة الوحيدة التي بقيت “لجند اﻷسد” كي يواجهوا الثوار في تلك المناطق دون ٳسناد جوي ستكون عبر قوات برية ودبابات سوف يتمكن جنود الجيش الحر من التعامل معها “بما يلزم” فمن تمكن من تدمير مدرعات اﻷسد في دير الزور ودوما لن يعجز عن تدبر أمرها قرب ٳدلب والحدود التركية.
هذه السياسة التركية الجديدة قد لا تعدو كونها معاملة بالمثل في وجه نظام اﻷسد الذي يسلح ويدرب حزب العمال الكردستاني والذي تجاوز الحرب بالواسطة ٳلى عمل عدائي مفضوح حين أسقط طائرة الاستطلاع التركية. جاء “اعتذار” الناطق باسم العصابة بشار اﻷسد أقبح من ذنب حين تمنى “لو أن دفاعه الجوي لم يسقط الطائرة ولو أن الطائرة كانت ٳسرائيلية…” علماً أن النظام لم يجرؤ على قذف الطائرات اﻹسرائيلية التي حلقت فوق قصر اﻷسد بوردة ! خطاب اﻷسد هذا يعني أن زبانيته يطلقون النار أولاً ثم يتمحصون فيما فعلوه… ماذا لو كانت الطائرة مدنية وتحمل العشرات أو المئات من الركاب ؟!
حديث اﻷسد يعني أن اﻷجواء السورية خطرة على كل الطائرات التي تقترب منها، فهل تمعن اﻷسد في مضمون ونتائج خطابه الاعتذاري ؟ بعدما أعلن قبل أيام أن سوريا كلها في حالة حرب، بما يعني أن البلاد أصبحت خارج نطاق أنظمة التعامل التجاري والتأمين الاعتيادية السائدة في زمن السلم.
مع ذلك، ربما يكون هناك بعد ماكيافيلي في خزعبلات اﻷسد، فالتصريح بأن البلاد في حالة حرب وأنها غير آمنة، قد لا تعدو كونها خطوات ٳجرائية للوصول بسوريا ٳلى حالة الحرب اﻷهلية المفتوحة والتي هي أمل النظام اﻷكبر في البقاء ﻷطول فترة ممكنة. أيضاً، ربما يكون النظام في طريقه ٳلى ٳعطاء الفرصة لخلق “مناطق آمنة” على الحدود السورية التركية، لا تشكل خطراً وجودياً على النظام لكنها قد تكون في المستقبل طعماً لجراﻷتراك ٳلى مواجهة لا يريدونها.
المناطق الآمنة، دون غطاء دولي وفي حال استطالت اﻷزمة السورية، وهو ما يراهن عليه نظام العصابة في دمشق، سوف تصبح مناطق عمليات عسكرية خارج سيطرة اﻷسد بما قد يسمح لهذا اﻷخير بٳشعال الحدود مع تركيا وبٳشغال هذه اﻷخيرة، خاصة في مناطق اﻷكراد وجوار “الطائفة الكريمة” دون أن يتحمل وزر التجاوزات التي ستحصل، تماماً كما فعل “حزب الله” مع الشريط الحدودي في الجنوب اللبناني.
ثم ٳن المناطق الآمنة، ما لم تتحول سريعاً ٳلى نقاط انطلاق متحركة لتحرير سوريا كلها سوف تنتهي ٳلى “شريط حدودي” فالت قد يسمح للأسد بطرد معارضيه ٳليها بدل مقاتلتهم في المدن السورية و”منح” شريط من سوريا للأتراك سوف يكون، في النهاية، عبئاً عليهم وسيسمح للأسد بالعويل “تنديداً بالمطامع اﻹقليمية التركية في سوريا”.
ليست هناك ٳذاً من مصلحة تركية حالية في ٳقامة مناطق آمنة وفتح جبهة مع اﻷسد لن تكون كافية ﻹسقاطه، فماذا يقدر اﻷتراك أن يفعلوا دون أن ترتد النتائج ٳلى نحرهم ؟
أغلب الظن أن اﻷتراك سينتهون ٳلى اتباع نفس النهج الذي ينتهجه اﻷسد ضدهم ! بمقدورهم تسليح وتدريب مجموعات من الثوار السوريين مستفيدين من التقارب العقيدي ومن التاريخ المشترك للشعبين السوري والتركي. اﻷسد يدرب حزب العمال الكردستاني ويسلحه في سوريا قبل أن يرسل ٳرهابيي هذا الحزب لقتل الجنود اﻷتراك ولارتكاب تفجيرات في اسطنبول انطلاقاً من أراضي كردستان العراق ! اﻷتراك ربما ينتهون ٳلى تسليح مجموعات منتقاة من الثوار السوريين ويرسلونها انطلاقاً من أراض سورية “محررة” لقتال زبانية اﻷسد بعيداً عن الحدود التركية.
في هذه الحالة، من مصلحة اﻷتراك عدم تركيز جهودهم على خلق مناطق آمنة والاكتفاء بٳبعاد جند اﻷسد عن حدودهم لكف شرهم ثم تسهيل وصول السلاح ٳلى الداخل السوري، مع تفادي تحويل الشريط الحدودي ٳلى جبهة مشتعلة تحرق أيديهم. ليس هذا باﻷمر السهل، لكنه اﻷقل خطورة على تركيا.
هذه الاستراتيجية قد تكون اﻷنسب ﻹنهاك اﻷسد ولتشتيت قواته وهي تبعد “الشبهات” و خطر الاحتكاك بين اﻷسد وحلفائه من جهة مع تركيا وتسحب ورقة التهديد والعدوان الخارجي من يد اﻷسد وأصدقائه في محور الشر، من موسكو ٳلى تل أبيب، مروراً بطهران وبيكين.
الدخول على خط تسهيل وصول السلاح لجماعات ثورية منتقاة بعناية يمنح اﻷتراك موقعاً أفضل بكثير مما كانوا يحلمون به اعتماداً على أصدقائهم من اﻹخوان، يكفي ملاحظة الرد العنيف من قبل “الجيش الحر” على اقتراحات مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية وممارسته لنوع من “الفيتو” على مقررات المؤتمر بعدما توقع البعض أن الاجتماع خارج اسطنبول قد يضعف النفوذ التركي.
في اﻷيام التي تلت ٳسقاط الطائرة التركية، تلقى نظام اﻷسد العديد من الصفعات، من مهاجمة المطارات في حلب وحماة وأطراف دمشق، وخسر العديد من الدبابات وحتى طائرات الهيليكوبتر. لكن الصفعة اﻷقسى جاءت حين تمكن الثوار من اصطياد اثنين من كبار رجال النظام، لواء طيار هو اللواء “فرج المقت” وعميد ركن في المخابرات هو “منير شليبي” والمناط به “مكافحة اﻹرهاب”. هذا يعني أن أياً من كبار زبانية النظام ليس بعيداً عن الحساب وأن النظام أصبح عاجزاً عن حمايتهم. العميد “شليبي” هو صيد ثمين للغاية بحكم معلوماته الوافرة عن “ٳرهابيي” النظام و لا بد أن العديد من أجهزة المخابرات المهتمة بالشأن السوري ينتظر “مقابلته”…
هذان الضابطان تم خطفهما في قلب دمشق، في عملية نوعية متقنة لا نستبعد أنها كانت حصيلة تنسيق بين الثوار السوريين على اﻷرض وبين أجهزة استخبارات قادرة على تتبع تحركات ضباط لا يتحركون دون مرافقة ضخمة. صمت النظام فيما يخص هذه الضربة قد يدل على أن الرسالة وصلت.
السيد “اردوغان” ربما يكون في طريقه لتعلم كيفية التعامل مع عصابة اﻷسد، و”أول الرقص حنجلة…”.

 

أحمد الشامي http://www.elaphblog.com/shamblog ahmadshami29@yahoo.com

نشرت في بيروت اوبسرفر الخميس 4 تموز 2012
http://beirutobserver.com/index.php?option=com_content&view=article&id=79019:chami&catid=39:features

 

 

 

 

One Response to “الرد التركي”

  1. أحمد الشامي من القلائل الذين أحرص على متابعتهم. كل التحية لك
    نور الدين الدمشقي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: