المسكوت عنه في المأساة السورية

 

 

 

 

بمقابل تسارع اﻷحداث على اﻷرض السورية، يبدو المشهد الدولي متخبطاً وحائراً في معادلة عويصة مؤداها : “كيف يرحل اﻷسد دون أن يغادر ويبقى النظام ويرضى الثوار…”.
ما سر رغبة العالم شرقاً وغرباً بطمأنة اﻷسد وفي ٳفهامه أن لا أحد يريد به شراً ولا حتى محاسبته ؟! في نفس الوقت يردد الجميع، بما فيهم السيد “لافروف” وزير خارجية “بوتين” المزمن “أن اﻷسد قد انتهى…”.
علم السياسة والمنطق يعجزان عن تفسير هذه الظاهرة اللاعقلانية والعبثية قبل أن تكون غير أخلاقية، فهل هناك تفسير منطقي ما لهذه التناقضات التي يدفع السوريون ثمنها دماً غاليا وأرواحا تُزهق ٳرضاء لعالم قد تجرد من كل المبادئ اﻷخلاقية ؟

بناء على متابعة تطور وارتقاء النظام الذي بناه حافظ اﻷسد منذ 1966 على شكل هرمي ووفق بنية مافيوية معتمدة على العائلة والمقربين والولاء الطائفي، تجوز المقارنة بين ما يحدث في سوريا اليوم وبين ما يجري في عالم الجريمة المنظمة والعصابات من أخذ رهائن وتصفيتهم في حال لم يستجب الضحايا أو السلطات لطلبات الخاطفين ولفرض أمر واقع دموي وٳرهابي بمعنى الكلمة، فكيف يهدد اﻷسد أعداءه وبماذا ؟
عام 1975 كان عاماً فاصلاً في تطور العصابة اﻷسدية، في هذا العام اطمأن مؤسس العصابة اﻷسدية ٳلى متانة تفاهماته مع الكبار في العالم ومع ٳسرائيل خاصة والتي تربطه بها اتفاقية فصل قوات سوف تتطور لتصبح أشبه باتفاقية “مساكنة” يحمي بموجبها اﻷسد الاحتلال اﻹسرائيلي في حين تدافع ٳسرائيل عن بقاء نظام العصابة ضمن الحدود التي رسمتها ٳسرائيل. في تلك الفترة، طلب اﻷسد من صديقه الدكتور “عبد الله واثق شهيد” تطوير عمل مركز الدراسات والبحوث العلمية الذي كان حينها في المزة والذي أسسه صلاح جديد قبل انقلاب اﻷسد. قام الدكتور “شهيد” ببناء مجمع ضخم في برزة قرب دمشق، مع استجلاب العقول السورية في مجالات الفيزياء والكيمياء والاتصالات وغيرها وتوجيها صوب مجالات محددة عسكرية في أغلبها.

الدكتور “شهيد” عالم الفيزياء النووية أبلغ اﻷسد اﻷب باستحالة تطوير مشروع نووي سوري مستقل ونصحه بالاهتمام بأسلحة أخرى أقل تعقيداً ولكنها قد تكون أكثر فعالية في الحالة السورية. هكذا بدأ المشروع اﻷسدي ﻷسلحة الدمار الشامل والذي يشمل غاز اﻷعصاب (VX)والسارين (الذي استعمله اﻹرهابيون في طوكيو) بعدما كانت سوريا معتمدة كلياً على القدرات المصرية في هذا المجال. المشروع اﻷسدي سار في تزامن مع رديفه الصدامي بل وتلقى دفعة قوية مع انهيار نظام البعث الشقيق في بغداد، بعدما كان صدام قد خبأ مخزونه من السلاح الكيماوي في “سوريا اﻷسد” لكي لا يكتشفه المراقبون الدوليون.


في نفس الوقت قام خبراء مركز الدراسات والبحوث العلمية بتطوير أسلحة جرثومية قاتلة كالجمرة الخبيثة والبوتولونيوم وهي أسلحة خطرة للغاية كونها لا تعرف الحدود ولا تتوقف عند شعب أو منطقة بعينها. عبقرية اﻷسد اﻷب اﻹجرامية لم تتوقف عند هذاالحد بل تعدته لتطوير ما يعرف بالقنبلة النووية القذرة والتي تضيف ٳلى القدرة التخريبية للأسلحة السابقة قدرة ٳشعاعية، حيث يتم ٳضافة فضلات نووية مشعة ٳلى الصواريخ الحاملة للحشوات غير التقليدية (هذا يفسر ربما حب نظام اﻷسد للنفايات النووية). المناطق التي تسقط فيها صواريخ اﻷسد سوف تصبح خطرة على الوجود البشري حتى بعد أن يتبعثر الغاز الذي كانت تحمله أو الجراثيم القاتلة التي تم نشرها.
في حين كان علماء مركز اﻷبحاث يظنون بسذاجة أن أبحاثهم هي في مواجهة السلاح النووي اﻹسرائيلي، كان أول استعمال للأسلحة الكيماوية على يد اﻷسد أثناء مجزرة حماة عام 1982، حيث يقدر “داني شوهام” من مركز “ارييل للبحوث السياسية” اﻹسرائيلي عدد الضحايا الذين سقطوا جراء استعمال زبانية اﻷسد لغاز السيانيد القاتل بثمانية عشر ألفاً من السنة في حماة. جاء هذا في كتاب عنوانه “السلام مع سوريا، لا مكان للخطأ” صدر عام 2000.
اﻷسد الوريث أضاف لترسانة أبيه من اﻷسلحة القاتلة مشروعاً نوويا بالتعاون مع كوريا الشمالية وبشكل يتكامل مع المشروع النووي اﻹيراني. جاء هذا على اﻷغلب رداً على عجز ٳسرائيل عن حماية الاحتلال اﻷسدي للبنان والذي اعتبره اﻷسد الوريث “تقصيراً” من قبل الصديق اﻹسرائيلي.
من المؤلم القول أنه من حسن حظ أهالي حمص ودرعا أن الطيران اﻹسرائيلي وضع حداً ﻷحلام اﻷسد الابن النووية في موقع الكبر قرب دير الزور بغطاء أمريكي وتركي.
في حال تيقن اﻷسد ورؤوس العصابة الحاكمة أنهم مقتولون لا محالة وأن نهايتهم هي في أنابيب المجاري، مثل صديقهم القذافي، فماذا هم فاعلون ؟
اﻷكيد أن التهديد باستخدام أسلحة التدميرالشامل التي في حوزة اﻷسد أنجع من استعمالها فعلياً، فاستعمال هذه اﻷسلحة يعني أن الطلقة اﻷخيرة في مسدس اﻷسد المشهر في وجه العالم قد تم استعمالها.
في حالة استعمال هذه اﻷسلحة في سوريا على نطاق واسع قد يستغل “آخرون” حالة الفوضى التي ستلي المجازر الواسعة المتوقعة، لوضع اليد على بعض اﻷسلحة غير التقليدية وربما استعمالها ضد أعدائهم ومنافسيهم مع ترك السوريين يدفعون الثمن مرتين، مرة على يد جلاوزة اﻷسد وأخرى على يد أعداء سوريا الكثر حتى لو تسمى هؤلاء بألقاب زاهية مثل “أصدقاء الشعب السوري”.
في الوضع السوري الراهن ومع انتشار الثورة كالنار في الهشيم، استعمال اﻷسد للسلاح الكيماوي على اﻷرض قد تجاوزه الزمن والوقائع الميدانية، فالثائرون يعرفون أن لا خيار أمامهم سوى الموت ٳما بنار وغاز اﻷسد أو الموت وهم يدافعون عن حياتهم وعرضهم ومستقبل أطفالهم وهو ما يتيح لهم اﻷمل بالنجاة والنصر. اﻷسد يحتاج ٳلى تدمير أكثر من نصف سوريا للمحافظة على النصف الآخر دون أن يكون قادراً على ضمان أن لا ينقلب النصف الباقي عليه.
لا يبقى أمام اﻷسد سوى تهديد جيرانه بأسلحة الدمار الشامل وابتزاز محيطه القريب وخاصة ٳسرائيل وتركيا ومن ورائهما الغرب وأمريكا. هذا ما يفسر تأكيدات سكرتير عام الناتو بسبب وبدون سبب “أن لا تدخل عسكرياً في سوريا” وتردد كل الدول الفاعلة دولياً في تحويل ملف اﻷسد ٳلى المحكمة الجنائية الدولية مما سيعني عملياً أن اﻷسد سوف ينتهي يوماً في لاهاي.
من المفهوم ٳذاً أن تستمر مهزلة مؤتمرات “أصدقاء الشعب السوري” الفارغة والتي تهدف ٳلى “تطمين” اﻷسد أن لا أحد سيقاومه بغير الكلام اﻷجوف، تماماً كما يحصل مع الشعب الفلسطيني وعدوه اﻹسرائيلي المدجج بالسلاح النووي.
ماذا ستفعل ٳسرائيل النووية ٳن سقطت عليها صواريخ غير تقليدية قادمة من سوريا ؟ هل سترد بقصف قصر اﻷسد المحصن ضد السلاح النووي ؟ هل تقصف دمشق أو حمص أو غيرها من المدن الثائرة على جور اﻷسد ؟ أم ترسل ردها النووي ٳلى عرين آل اﻷسد في القرداحة ؟ الرد اﻹسرائيلي يعني زيادة الفوضى في سوريا وتوسيع فرص انتشار هذه اﻷسلحة بشكل عشوائي، مما سيرتد على ٳسرائيل والغرب والشعب السوري وحتى الروس.
من يستطيع مهاجمة المشروع النووي اﻹيراني في حين يربض الآلاف من رجال الحرس الثوري اﻹيراني وحزب “حسن نصر الله” في جوار المواقع الصاروخية السورية ؟ ما الذي يمنع هؤلاء من الرد على ٳسرائيل انطلاقاً من اﻷراضي السورية واعتماداً على ضباط من “الطائفة الكريمة” وبوسائل غير تقليدية ؟ صحيح أن سوريا سوف يتم تدميرها ولكن من قال أن من يقصف مدن بلاده سوف يهتم ٳن دمرها غيره ؟! ولماذا يبالي اﻹيرانيون بمصير الشعب السوري ٳن لم يعد لهم موطئ قدم في “بلاد معاوية” ؟
كل هذا يجعلنا واثقين أن ليس “اوباما” وحده من يتمنى أن يستفيق من كابوس اسمه الثورة السورية والتي تفتح ملفات كان الجميع يتمنون لو أنها بقيت مغلقة ٳلى اﻷبد “وليذهب السوريون ٳلى الجحيم بقيادة آل اﻷسد”.
اﻷسد هو من أفشل محادثات “بوتين” و”اوباما” حين رفض أن يقوم 5000 من الجنود الروس بحماية مخازن السلاح غير التقليدي السوري الستة. بشار وعصابته يدركون أن “المسدس” الفعال الذي يملكونه هو هذا المخزون ولن يتخلوا عنه يوماً ما لم يُجبروا على ذلك. اﻷسد يعرف أن الضوء اﻷخضر لاقتلاع نظام البعث الصدامي جاء بعد التيقن من التخلص من أسلحته للتدمير الشامل، تماماً كما جرى مع القذافي الذي ظن أن الغرب قبل به بعدما نزع أسلحته غير التقليدية.
المشكلة هي أن النظام اﻷسدي يهدد الآخرين بقوته وبضعفه في آن معاً، فانهيار النظام المفاجئ سيترك ترسانته الجهنمية “فالتة” وعرضة للاستعمال اﻹرهابي أو للتصدير لمن يدفع أكثر. هذه هي المشكلة العويصة أمام ٳسرائيل والغرب و الروس. هكذا يعود نظام اﻷسد ٳلى أحضان التحالف الجهنمي ذاته الذي كان في أساس نشأته، فهل يقلع هؤلاء أشواكهم بأيديهم مضطرين ؟
بكلمة أخرى، ربما يأتي التدخل الخارجي ليس ﻹسقاط اﻷسد ولكن ﻷن النظام أصبح في حكم الساقط في أي لحظة، وذلك بهدف وضع اليد على مستودعات الموت قبل أن تتلقفها أيادٍ غير مسؤولة. في هذه الحالة، يحتاج التدخل العسكري لضربة جوية أرضية وبحرية صاعقة ومفاجئة تشترك بها قوات كل الدول المحيطة بسوريا بما فيها ٳسرائيل وتركيا مع اﻷمريكيين والناتو وبمشاركة روسية. سيقوم الروس بتأمين مخازن السلاح غير التقليدي مع قوات خاصة من عدة دول في حين تقوم طائرات الدول المشاركة وصواريخها، وبالآلاف، بضربة متزامنة لكل عقد الاتصالات ومراكز القرار والقيادة والدفاع الجوي السوري. الهدف هو سحب ورقة التهديد غير التقليدي من يد اﻷسد دفعة واحدة.
هذا السيناريو ٳن نجح في سوريا سيكون درسا قاسياً ﻹيران وكوريا الشمالية المارقتين. المشكلة هي أن اﻷمريكيين وحدهم هم من يقدر على تنسيق هكذا ضربة، لكن تنقصهم اﻹرادة السياسية مادام السيد “اوباما” في البيت اﻷبيض مسكونا بهاجس ٳعادة انتخابه.
يبقى الشعب السوري هو اﻷقدر على تفكيك نظام اﻷسد قطعة قطعة دون أن يتمكن هذا اﻷخير من استعمال ترسانته التدميرية والتي لا فعالية لها، ولو تم استعمالها، ضد شعب ثائر. على العكس من ذلك، فضعف المعارضة و اﻷهم من ذلك تشتتها، مثلها مثل الجيش الحر الذي يفتقد لقيادة موحدة، يجعلانهما عصيين على الابتزاز اﻷسدي وعلى الضغط الخارجي.
بالنسبة للشعب السوري الثائر، لا تشكل أسلحة الابتزاز اﻷسدية تغييراً جوهرياً فالشاة المذبوحة لا يؤلمها السلخ، لكن العالم يرتعد خوفاً على أراح اﻷبرياء من غير السوريين في ٳسرائيل وتركيا.
الوضع الحالي في سوريا يذكر بالثورة الجزائرية ضد فرنسا، الدولة الكبرى والنووية في الخمسينات، لا أحد كان يجرؤ على المصارحة بدعم الثوار ولم يصدر أي قرار من مجلس اﻷمن في وجه الفيتو الفرنسي. حرب التحرير الشعبية في الجزائر تمكنت مع ذلك في النهاية من طرد الفرنسيين الذين خرجوا فارين من الجزائر، رغم أن أياً من الدول الفاعلة لم يدعم علناً الثورة الجزائرية، لكنهم اكتفوا بالتغاضي عن تهريب السلاح ٳلى الجزائر الثائرة.
بشار اﻷسد الذي يحلم بسيناريو الجزائر في التسعينات، يبدو في طريقه لمواجهة سيناريو حرب التحرير الشعبية الجزائرية في الخمسينات. هذه الحرب هي اﻷقدر على تقرير مصير اﻷسد وكل ما عداها خداع، للنفس أو للأسد أو للشعب السوري الثائر.

 
أحمد الشامي


http://www.elaphblog.com/shamblog
ahmadshami29@yahoo.com
نشرت في بيروت اوبسرفر الخميس 12 تموز 2012
http://beirutobserver.com/index.php?option=com_content&view=article&id=79436:chami&catid=39:features

 

 

 

 

 

 

 

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: