ديناميكية الدكتاتور وجمود الثورة – الفوضى في غبار المعركة

 

 

 

 

أمجد طالب
——————————-

 

 

لم تستطع الدكتاتوريات يوماً مواجهة انتفاضة شعبية، فما بالك إن كانت عارمة كما جرى في سوريا؟ لذلك لم يقصر النظام السوري في اتخاذ كل السبل الممكنة للقضاء عليها، فاتخذ لذلك ثلاث طرق أساسية: المجابهة العنيفة وتشويه الحقائق والإرهاب والترويع.

المجابهة العنيفة على الطريقة الستالينية والتي تهدف إلى تصغير حجم المقاومة الشعبية على مبدأ العين والمخرز، تهدف إلى زرع الإحباط في قلوب الناشطين لدفعهم إلى اعتزال المشاركة في الاحتجاجات، لم تنفع هذه الطريقة في تونس أو مصر أو اليمن، ولكن نجاحها كان ساحقاً في البحرين ومحدوداً جداً في سوريا، إذ اقتصر تأثيرها على دمشق التي تكاد تكون معتزلة تماماً ما يجري في باقي سوريا وإن سألت شبابها يقولون “ألا حل إلا بيد المقاومة المسلحة، وعليه نعتزل أشكال النشاط المدني”.

تشويه الحقائق، أو التضليل الإعلامي: كنا نعتقد في البداية وجود تخبط لدى أجهزة الإعلام التابعة للنظام لكن تبين لاحقاً أنهم يعمدون لسرد كل القصص الممكنة بهدف إحداث خلط وتشكيك ولتغطية كل المخاوف الممكن توليدها لدى الشعب (على مبدأ ضرب العجين بالحيط). حاولت الأنظمة البائدة في تونس ومصر وليبيا هذه الاستراتيجيات لكن استمر فشلها إلا خلال الشهور القليلة التالية لسقوط مبارك في مصر وذلك بسبب استغلال أو التحالف مع التيارات الإسلامية التي ساعدت خدمت نظام المشير في تأخير محاكمة مبارك وسحب جموع كبيرة من الميدان. نجح النظام في سوريا وبشدة في هذه السياسة عن بنشر روايات المؤامرة من بندر بن سلطان إلى النعوت المختلفة التي يطلقها شبيحته الإعلاميون على الثوار (عملاء، سلفيون، متخلفون مندسون مسلحون…) واستطاع التأثير بشدة على اليسار الرجعي1 والديكتاتوريات المحسوبة على ذلك اليسار. على الرغم من أن إعلام الثورة استطاع في بداياتها التغلب على إعلام النظام وفضحه في الكثير من الوقائع، إلا أن أداءه تراجع مؤخراً بسبب انحسار تغطيته لمجريات الثورة السلمية وعدم تضافر جهود إعلامييه.

الإرهاب والترويع: الوسيلة الأهم لضمان استقرار الديكتاتوريات في الأوقات العادية وتجنيبها نشوب الثورة أصلاً، وقد أثبتت فاعلية كبيرة في إيران -النظام المشابه جداً للنظام السوري في البنية وشكل القمع- وإن لم تجد نفعاً في الدول العربية. كان ولا زال النظام الإيراني يعتمد في القمع على إرهاب الناس أكثر من المواجهة، فبالرغم من المشاركة الشعبية الكبيرة في الثورة الخضراء نجح النظام في إخماد انتفاضتها بسرعة وبعدد قليل جداً من الخسائر البشرية التي تم توثيقها. القصص التي يرويها الإيرانيون عن أجهزة الاستخبارات التي يستخدمها النظام في تعقب الناشطين واغتيالهم في الخارج أو النيل من عوائلهم داخل إيران كانت أقوى بكثير من محاولاتي إقناعهم أن النظام السوري كان يمتلك نفس السمعة إلى أن قرر كل السوريون قتل الخوف فتبين أن أجهزة الاستخبارات كانت مجرد أسطورة قديمة.

الاغتصاب في السجون من أشكال الإرهاب التي اعتمدها النظام الإيراني ونجحت بشدة في حين لم تنجح بسوريا، على الرغم من انتشار الأخبار التي قد يكون قسم كبير منها صحيح، وبالرغم من التهويل والتأليف في سرد الروايات إلا أن رد الفعل الشعبي كان يرفض السماح بتحول الاغتصاب إلى سلاح فعال، كل حسب اجتهاده.

استخدام القناصات لقمع المظاهرات بالرغم من وجود القوات المسلحة في مواجهة المتظاهرين وتصيد الصفوف الخلفية خاصة كان يهدف إلى زرع الخوف في قلوب المتظاهرين خاصة منهم من يمكن تخويفه، وقد أجدى بعض النفع في حالات قليلة جداً بحسب معرفتي الشخصية إلا أنه لم يحقق الهدف الأساسي منه لذلك تراجع استخدامه بشدة بالمقارنة مع أول الثورة حيث كان الأداة الأولى للقتل.

التعذيب في السجون ثم إطلاق سراح المعذبين بأسوأ أحوالهم والقتل تحت التعذيب وتشويه الجثة بشدة قبل إخراجها والتسبب بعاهات دائمة وتصوير فيدوهات للتعذيب والإذلال ثم نشرها على أنها صور مسربة أو وجدت على هاتف أحد الشبيحة الذين وقعوا في أسر الجيش الحر هو أحد أهم أسلحة الإرهاب التي استخدمها النظام ولا يزال يستخدمها لما وجد لها من أثر في قمع المظاهرات خاصة في درعا وبانياس، أصبح الناس بسبب ما يرون من التعذيب في السجون يخشون الاعتقال أكثر من خشية الموت وباتت كفة المواجهة بالسلاح (قاتل أو مقتول) أكثر جدوى في نظر الكثير من المصرين على إسقاط النظام.
تصفية الجرحى في المشافي بشكل معلن أدت إلى رد فعل شعبي واع ولكنه مكلف جداً من جميع النواحي، فالخوف من اللجوء إلى المشافي تسبب باستشهاد الكثير من المصابين الذين كان من الممكن إنقاذهم في ظروف أخرى أو تسبب لهم بعاهات دائمة، وبالنسبة للنظام فقد خفف الضغط على المشافي الحكومية وأراحه من الكلفة المادية.
أخيراً المجازر، استخدمتها كل أنظمة العالم الديكتاتورية عندما استطاعت فرز جزء من المعارضة أو كلها بناءً على العرق أو الدين، ﻷهداف هي الإبادة (النازية واليهود) أو التهجير (الصهاينة في فلسطين) أو القمع2 (ستالين وفلاحوا أوكرانيا)، الجديد في استخدام المجازر من قبل النظام السوري هو التحريض على الحرب الأهلية، والدليل على ذلك أن النظام تعمد إشراك شبيحة علويين من قرى مجاورة لمكان المجزرة المستهدف وعمل على أن إظهار ذلك، في حين لم يستخدم العلويين في المجازر التي ارتكبها في درعا أو دير الزور اللتين ليستا بيئةً صالحة للاحتراب الطائفي. كما أنه اليوم يسخر جيشه الإلكتروني للتحريض بهذا الاتجاه بعد أن أثبت عدم جدواه في المواجهة الإلكترونية للثورة.
لقد أتقن النظام السوري ارتكاب المجازر واستخدامها لأهداف التهجير والتأجيج الطائفي ليس عن طريق إعلامه الذي ينفي دائماً وجودها، ولكن عن طريق إعلام الثورة؛ الذي ينشر كل الصور الكفيلة بإرهاب الناس من جهة، ويعمل على تضخيم الأحداث بل وتزويرها في أوقات أخرى. وقد يكون هذا التزوير من إنتاج النظام الذي يعمل على تشويه الحقائق، أو من إنتاج انتهازيين يكرهون نظام الأسد (معارضة) ويريدون التحريض ضده بأي شكل وبأي ثمن3.

تغيرت الكثير من المعطيات على أرض الواقع إلا أن إعلام الثورة لم يواكب هذه التغيرات وكان دائماً منحازاً لجانب الفصائل المسلحة في الثورة والخطاب الديني، إذ كان كل انتقاد للعمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش الحر أو سواه أو انتقاد تجار الدين الذين يتلاعبون بمشاعر الناس ويبيعونهم الأوهام يعتبر “نشراً للأخبار الكاذبة واعتداءً على هيبة الثورة” وكان الكلام عن هزيمة الجيش الحر في أحد المواجهات يعتبر “إيهاناً لعزيمة الثوار” فتحول وصف الهزيمة إلى “انسحاب تكتيكي” إن استطاع عناصر الجيش الحر الخروج من المنطقة أو إلى “مجزرة ضد المدنيين” إن لم يتمكنوا كما حصل في التريمسة. وبدلاً من تحليل المعطيات وتوصيف المجريات تحول الإعلام الثوري إلى التحريض وتجاهل الحقائق إما بدافع الغضب أو لتلافي نشر أخبار قد “توهن العزائم”.

يحتاج إعلام الثورة، الذي أصبح أحد أدوات النظام شئنا أم أبينا، إلى إصلاح جذري يقتضي توحيد الجهود وتعديل الخطاب ووضع استراتيجية توعوية من قبل القائمين عليه، إذ أننا بحاجة إلى “فلترة” لما يعرض عن طريق المتابعة الدقيقة وتحري مصادر التلاعب والإشارة إليها، فقد يساهم ذلك في كشف بعض خيوط النظام في الثورة. تقتضي هذه العملية اجتماع الجهات الإعلامية وتحاورها والتوقف الإشارة إلى اختلافات المعارضة ونسيان اختلافات الناشطين، والتنسيق بين التنسيقيات المختلفة التي أصبح من العسير إحصاؤها ولربما يحتاج التنسيق بينها إلى جهود جبارة ووقت طويل. كما يجب أن تصل الفصائل المسلحة المنضوية تحت تسمية الجيش الحر إلى درجة من التنسيق تسمح بتلافي العمليات المتهورة وتحصر الإعلام بواجهة واحدة تجنب الجيش الحر تناحراً قد ينشب في المستقبل بين فصائله كما حصل في ليبيا بعد سقوط القذافي. فالفوضى هي الصديق المفضل للدكتاتور.

يجب أن يعود الإعلام أداة لخطاب الداخل قبل الخارج، ولن يضيرنا الاعتراف بخسائراتنا العسكرية، فوصف شهداء اجتياح التريمسة الذين حاولوا التصدي لجيش النظام بأنهم ضحايا مدنيين لمجزرة بخس لتضحياتهم وتماه مع النظام. كما يجب أن يتوقف التنافس المناطقي بين الجهات الإعلامية، وعلى القائمين تقدير حجم المسؤولية الوطنية والإنسانية والأخلاقية المترتبة على أعمالهم. نحن مسؤولون عن خياراتنا مهما كانت، وعلينا أن نتحمل التبعات وندفع ثمن أخطائنا عندما نرتكبها ونشير إليها كي نستطيع تلافيها في المستقبل.

 

 

————————————————————————-

1 يرى أولئك أن الاستراتيجية الأسلم في النضال هي معاداة كل ما يصدر عن أمريكا بدلاً من التفكير بتقديم حلول لمشكلات الناس.

2 الإبادة كما فعل النازيون باليهود، التهجير كما فعل الصهاينة في فلسطين والصرب في البوسنة، القمع؛ أي لقمع فئات أخرى كما فعل ستالين بفلاحي أوكرانيا بعد إطلاق تسمية “جولاك” عليهم.

3 كالفيديوهات التي ظهرت بعد مجزرة الحولة وتبين أنها من كرم الزيتون، أو صور إعصار كاترينا التي نشرت على أنها من قصف الخالدية.

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: