العميد ابن العماد

 

 

في جلسة سمر حضرها المحامي المرحوم “محمود الصابوني” في منزل العماد “مصطفى طلاس” في الثمانينات من القرن الماضي، قال “الصابوني”، وهو من ظرفاء دمشق المشهود لهم بحس النكتة، لمضيفه وزير دفاع اﻷسد المزمن :” سيادة العماد، أنت قارئ نهم وقد ألفت العديد من الكتب في مجالات شتى، بما فيها واحد مختص بالعناية بالنبات، ٳضافة ٳلى ذلك، أنت تدير دار نشر وتدبج الشعر وللتو افتتحت مزرعة لتربية طائر الفري، تضاف ٳلى باقي أعمالك ومشاريعك. كل هذا يحتاج ٳلى وقت، فبالله عليك متى تجد الوقت لممارسة مهامك كوزير للدفاع ؟ في أوقات فراغك ؟”. انفجر الحاضرون بالضحك بما فيهم الوزير العتيد الذي كان لديه، على ما يبدو، حس للنكتة.

حس النكتة هذا يبدو أنه قد غاب عن السيدة “تاريا هالونين” رئيسة فنلندا والتي نشرت مذكراتها عام 1999. السيدة “هالونين” والتي كانت وزيرة خارجية فنلندا بين 1995 و 2000 ذكرت أنها زارت سوريا مرتين في طريقها لتفقد الوحدة الفنلندية في جنوب لبنان. في المرتين كان العماد المقدام “مصطفى طلاس” في انتظارها في المطار ليأخذها بسيارته. في المرتين، حاول زير النساء اغتصاب الوزيرة الزائرة ! انتهى اﻷمر بالحكومة الفنلندية ٳلى تقديم احتجاج رسمي لدى السلطات السورية في المرة الثانية.
الراحل “ياسر عرفات” كان له نصيب من “حس الدعابة” المعهود لدى العماد المفوه، حيث لقبه “وزير دفاع الممانعة” علناً ب”ابن ستين ألف….”. هذا بعد اتفاقيات اوسلو التي “ضاربت” على اتفاق فصل القوات اﻷسدي اﻹسرائيلي.
الوزير الوسيم كان يتباهى بغزواته النسائية، مثله مثل نظيره الليبي “ابن العقيد” المعتصم القذافي. بين محظياته نجد “حبه اﻷكبر” السيدة “جينا لولو بريجيدا” والتي زارت دمشق في ضيافة الوزير العتيد بعدما اشترط الوزير المقاوم أن تكون السيدة “بريجيدا” هي من يوقع عقد شراء هيليكوبترات “اغوستا” الٳيطالية ! مثلها “جين مانسون” التي حظيت بٳقامة حفل فني في دمشق بعد ليلة حمراء في أحضان الوزير “الممانع” وغيرهما كثر.
الوزير النبيه تمتع أيضاً بحس رجل اﻷعمال اللماح، فوافق على زواج ابنته “ناهد” ابنة الثمانية عشر عاماً من تاجر السلاح المعروف “أكرم العجة” ابن الخمسة وستين عاماً. الزواج كان صفقة ناجحة لكل اﻷطراف، فالعماد استفاد و”قبض” وتاجر السلاح وسع دائرة نفوذه وأعماله وحظي بزوجة حسناء وذكية، أما الزوجة فقد ترملت بعد بضعة وعشرة أعوام وتربعت على ثروة تقدر بمليار دولار.

شطارة العماد لم تقف عند هذا الحد، فقد وضع ابنه البكر “فراس” على رأس مجموعة تجارية رابحة في مجال اﻷعمال، وانه الثاني “مناف” في الجيش، وفاته أن يجعل من أحد ابنائه شيخاً معمماً ليجعل منه مفتياً للديار السورية !
موقع العماد المغوار في الجيش السوري يحتاج للكثير من التبصر لمعرفة أن الوزير العتيد عسكري ! فالرجل لم يجلِّ لا في معركة ولا في حرب ومهنته تنحصر في الانقلابات. كل من تردد على مراكز القرار في الجيش السوري يعرف أن سلطة العماد “طلاس” لا تتعدى منح ٳجازة لمجند “بشرط عدم اعتراض قائده المباشر!”. بكلمة أخرى، العماد طلاس هو أشبه “بصحن طائر مجهول المصدر” الكل يتحدث عنه في الجيش ولكن لا أحد رآه ولا أحد يعرف ماذا يفعل، بالعامي “رجل كرسي، مثل قلته…”.
أحد نجاحات العماد الٳعلامية هو تقديمه لنفسه على أنه “رجل السوفييت في سوريا” في حين تقع مصالحه التجارية مع فرنسا “بحكم المصاهرة” على اﻷقل. مع ذلك، قام اﻷسد بتوزيع “الواجبات” بالقرعة، وبالتراضي، على خدمه المخلصين، وكان من نصيب العماد “الشقيق السوفييتي”، في حين حظي منافسه السني الآخر، العماد “حكمة الشهابي” بلقب رجل أمريكا في دمشق. حقيقة اﻷمر هي أن السوفييت واﻷمريكيين هم من أراد وضع “وجوه سنية” في الواجهة لتقويتهم، في مقابل الطابع العلوي الطاغي على النظام. ٳسرائيل من جهتها كان لها في رأس الهرم خير حليف وخير صديق.
مع وصول اﻷسد الوريث ٳلى السلطة، استمر الطاقم “السني” في النظام في أداء دوره التجميلي لنظام العصابة الفئوي والطائفي في دمشق، حتى تم الاستغناء عمن رحل بسلام، و”انتحر” من مانع في الرحيل مثل الزعبي وكنعان. العماد “طلاس” المحب للمال والنساء وللأبهة والألقاب الطنانة أصبح خارج المعادلة. اﻷسد اﻷب كان يحافظ على خدمه حتى مماتهم أو قتلهم، أما اﻷسد الابن فقد اكتشف محاسن التقاعد وهذا ما لم يغفره له أزلام اﻷب.
حين اندلعت الثورة السورية كان العماد العتيد خارج المعادلة السياسية في سوريا، وانحصر دور العائلة بالملازم الشجاع “عبد الرزاق طلاس” وجه الثورة الواعد. العماد “طلاس” وأبناؤه أظهروا عجزاً عن أداء الدور الذي سبق للعماد أن أداه وهو الحفاظ على ولاء الرستن وأهلها ولعب دور “الماكياج” السني لنظام اختار الغرق في حرب “تطييف” للمجتمع بكامله. في ظل غباء ورعونة نظام الشبيحة، ما كان لا لطلاس ولا حتى للبوطي أن يقوم بتجميل وجه القاتل البشع.
اﻷسد الابن لم يكن لديه لا دهاء ولا صبر أبيه وانتهى به اﻷمر ٳلى ٳشعال سوريا كلها بحماقة وصبيانية.
هذا اﻷمر أدركته العائلة “الطلاسية” سريعاً وأدركت أيضاً أنها فشلت في أداء الدور المطلوب منها من قبل النظام ولم يعد لها من مكان أو دور في “سوريا اﻷسد”. هكذا فر أفراد العائلة الواحد تلو الآخر، فراس ذهب ٳلى دبي “لمتابعة أعماله” ولكي يدعي “أنه مقاوم ومع الثورة منذ البداية !” اﻷب لم يقطع شعرة معاوية مع اﻷسد وسافر لباريس “لفحوص صحية” ووعد بالعودة فور انتهائها، لكن هذه الفحوص على ما يبدو ستطول.
بقي العميد “مناف” في دمشق، حبيس قصره. الرجل “قائد لواء” في الحرس الجمهوري ولكن لا نفوذ فعلياً له فهو وأبوه قبله لم يكونا يوماً من “عظام رقبة” النظام ووضع العميد “مناف” في بيته كان تكريساً لأمر واقع.
القول “أن العميد المنشق توقع في بداية الثورة أنه سيقدر على تغيير مصير “بابا عمرو” بعدما عجز عن تهدئة بلدته “الرستن” والحد من عدوان النظام عليها لا يعدو كونه “تجميل بضائع”. يحتاج المرء ٳلى الكثير من السذاجة لكي يعتقد أن العميد مناف سيكون أكثر حظاً في جهوده من الناطق باسم النظام “بشار اﻷسد” الذي استقبل أهالي الشهداء ووعدهم خيراً، فالعميد الوسيم لا قيمة عسكرية له ولا قوات تحت ٳمرته. حتى “الصداقة” بين مناف وبشار لا تغير من اﻷمر شيئاً ﻷن بشار ذاته ليس أكثر من واجهة لعصابة تحرك اﻷمور من وراء ستار.
في هذه الظروف، أصبح بقاء “مناف” في دمشق عبئاً على العائلة التي تريد ٳعادة “تدوير” نفسها وعرض خدماتها في بناء “سوريا المستقبل”. خروج العماد “طلاس” الذي يحتفظ بالكثير من أسرار النظام كان الفيصل فيما يخص العائلة كلها. مع ذلك، مر خروج “طلاس” اﻷب مرور الكرام ! ما كان لنظام اﻷسد أن يؤذي “مناف” و يفتح على نفسه باب الفضائح ويتعرض للسان “العماد” السليط. من هنا جاء خروج العميد “مناف طلاس” ليلتحق بالعماد “مصطفى طلاس” تحصيل حاصل.
هل جاء خروج العميد بالاتفاق مع أطراف نافذة في نظام اﻷسد ؟ يمكننا طرح ٳمكانية أن يكون لبعض أطراف النظام يد في “انشقاق” العميد، ربما بهدف خلع “الماكياج” السني، عديم الفائدة، عن وجه النظام و رص صفوف مقاتلي “الطائفة الكريمة”.
من ساعد “مناف طلاس” على الخروج ؟ الروس ليست لهم مصلحة في رؤية العميد “مناف” ينشق جهاراً عن النظام وكان في مقدوره جلبه ٳلى موسكو. لكن للروس مصلحة في فتح قناة معه بعدما خرج والمراهنة على عائلة لا يفوقها في العمالة والفساد سوى آل اﻷسد. اﻷغلب أن خروج العميد الفار جاء بالتنسيق مع أكثر من جهاز استخباراتي بينها المخابرات الفرنسية ذات النفوذ الواسع في لبنان. عدم توجه العميد “مناف” ٳلى موسكو مباشرة لا يعني عدم التعاون مع الصديق الروسي الذي له كل المصلحة في أن لا يضع كل البيض في سلة اﻷسد.
رغم الضجة الفارغة التي أثيرت حول فرار العميد “مناف”، بقي الرجل صامتاً حتى مساء 23 تموز، وهذا يعني أن مفاوضات قد دارت بين العائلة “الطلاسية” وبين أكثر من طرف له مصلحة في الضغط على اﻷسد. العميد العتيد خرج عن صمته بطريقة مسرحية عبر بيان “حصري” على العربية، كأن اﻷمر يتعلق بمسلسل تلفزيوني أو بكليب، وهو ما يؤكد أن الرجل بعيد كل البعد عن الانفعال وأنه “يحسبها صح” ويفهم في “اﻷصول” وليس كهؤلاء الضباط الذين تحركوا بانفعالية وبنخوة حين شاهدوا المذابح التي تعرض لها أهلهم. العميد خرج عن صمته حين أصبح الظرف مناسباً و بعدما لم يبق في بلدته “الرستن” حجر على حجر.
الرجل طلع علينا بلغة عربية ضعيفة يخجل منها أبوه “الشاعر المرهف” وبخطاب لا يسمن ولا يغني من جوع، متحدثاً عن “أخطاء” قام بها “الجيش العربي السوري” في حين يرى الثائرون في هذا الجيش جيش احتلال غاشم و في ممارسات عسكر اﻷسد مجازر يندى لها جبين “هولاكو” وليس مجرد “أخطاء”.
بتصريحه الاستعراضي هذا، يضع العميد “طلاس” نفسه في تصرف “سوريا موحدة” تنتظر “تشريفه”.
المشكلة هي أن أياً من الثائرين لن يقبل بأن يحل “العميد مناف” ابن العماد مصطفى، محل “الفريق بشار” ابن الفريق حافظ ولو تلطى اﻷول بعباءة سنية وبايعته دول أصدقاء سوريا كلها، سوف يبقى العميد مناف “المنشق” واحداً من الضباط المنشقين الذين يحاربون على شاشات التلفاز من فنادقهم المريحة، شتان بين “العميد مناف” والملازم “عبد الرزاق طلاس” الذي يقاتل على اﻷرض ويحظى بالاحترام والتقدير.
لكن الدور اﻷرجح للعميد المنشق ليس في هذا المضمار، فوضع الرجل في المقدمة وتسويقه، مستقبلاً، على أنه “رجل الحل” في سوريا قد يكون مقدمة لتدخل عسكري يهدف لخلع اﻷسد. داعمو”مناف طلاس” الخارجيون سوف يمكن لهم تقديمه على أنه يمثل حلاً وسطاً، فهو سني مثل أغلبية الشعب السوري، وهو محسوب على النظام بما يهدئ من روع أزلام اﻷسد الذين يتحسسون رؤوسهم خوفاً من انتصار الثورة، ثم ٳن الرجل وعائلته “يفهمون في البيزنس” ومستعدون لضمان مصالح الجميع في سوريا دون الخوف من صحوة ضمير أو من حس بالمسؤولية الوطنية “لا سمح الله”.
اﻷسد وعصابته يعرفون ذلك تماماً، ويدركون أن الطريقة الوحيدة لتنصيب “العميد مناف” على عرش الجماجم في دمشق هي عبر تدخل خارجي مع الاستعانة بعناصر داخلية، قد تكون هي ذاتها التي سهلت خروج العميد “مناف” ضمن صفقة كبرى يتم طبخها على نار هادئة.
سيفهم اﻷسد حينها اﻷمر على أنه رسالة مؤداها : “أن اﻷمور أصبحت جدية وأن هناك من يحضر جدياً لخلعه”. في هذه الحالة قد “يفهم اﻷسد بالذوق” ويقرر الرحيل مع عائلته وعصابته ٳلى طهران و”كفى الله المؤمنين شر القتال”.
بكلمة أخرى، العميد “مناف” ليس العماد “علي حبيب” وليس له من دور دون دعم خارجي ودون أن يتم فرضه على الثورة كبديل متوافق عليه دولياً للأسد. الدور المرسوم للعميد المنشق قد يكون، في أحسن اﻷحوال، أقرب ٳلى دور “جلبي” سوريا منه ٳلى أي شئ آخر .

أحمد الشامي
http://www.elaphblog.com/shamblog
ahmadshami29@yahoo.com
بيروت اوبسرفر الخميس 26 تموز 2012
http://beirutobserver.com/index.php?option=com_content&view=article&id=80214:tlas&catid=39:features

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: